لا جديد في الثورة السورية سوى أنها تزداد اتساعا وانتشارا وصمودا أمام القمع المتزايد للنظام والحملة العسكرية الأخيرة التي زادت القتل والهدم لكنها لم تحرك العالم بعد والذي مازال يفضل اعطاء المهل المستترة او المعلنة لهذا النظام عله يكفيه المؤونة بالقضاء على واحدة من أعظم الثورات في العالم صعوبة وانتشارا وقوة وقمعا.
لم تكن مظاهرة حي المزة الأخيرة في العاصمة دمشق والتي كان دافعها "تشييع الشهداء".. لم تكن نقطة تحول كما وصفها البعض، فدمشق خرجت مبكرا في مظاهرات كبر حجمها او صغر في اغلب أحيائها وماوصْفها من قبل البعض بالهادئة أو الموالية سوى خرافة من الخرافات المنتشرة حول الثورة السورية ولم تصحح بعد، وحي المزة بالذات ببعض اجزائه خرج مرات عديدة منذ رمضان الماضي وما قبله، لكن ماميز هذا التشييع هو كبر حجمه والزخم الاعلامي الذي أحيط به تكرارا لتشييع آخر تجاوزه في حي الميدان العريق في جنازة الطفل "أبراهيم شيبان" والذي كان مواصلة لمظاهرات الميدان المستمرة مبكرا أيضا.
نقاط التحول في الثورة السورية كانت من نوع آخر داخليا وخارجيا ولا تتعلق كثيرا بالمظاهرات التي تخرج يوميا، لكن ربما النقاط التالية هي شيء من ارهاصات او مؤشرات لتحولات قد نراها قريبا وقريبا جدا -سلبية أو ايجابية- وتتركز في اربع محاور : (مجلس وطني جديد، اتساع اكبر للثورة في العقول والقلوب، تقسيم سورية، صوملة سورية)
-1-
بعض التوقعات تشير الى ان المجلس الوطني الحالي لن يصمد خصوصا بعد الجفاء الدولي له والدعوة المتأخرة والمتثاقلة الى مؤتمر تونس وبعد التململ العلني للمتظاهرين والثوار منه ونفاد الصبر بسبب تحوله من معين ال عبء على ثورة تحتاج من يساعدها ويعطيها الشرعية الدولية وهو ما فشل فيه المجلس الوطني حتى الآن.
غير ان الأهم هو اعلانين شهدتهما الثورة السورية مؤخراً.. الاول هيئة حماية المدنيين -اعلنت من القاهرة- والتي شكلت كتائب عسكرية تابعة لها تبدو مهمتها أمنية اكثر من كونها عسكرية وهناك الكثير من الحديث عن خلفيتها ومن يقف وراء هذه الهيئة ويحرك خيوطها ويهيئها ربما لمستقبل التنازع على الكعكة السورية!
الثاني ما اعلنه المجلس العسكري الاعلى برئاسة العميد مصطفى الشيخ -المنشق حديثا- عن تشكيل جناح سياسي، وهذا أشبه ما يكون بمجلس وطني جديد وبديل له وبجناح عسكري هذه المرة تردد المجلس الوطني الحالي كثيرا في تشكيل شبيه به او تبني الجيش الحر كذراع له.
-2-
التقرير الذي يشير الى ان العقوبات الاقتصادية تضعضع النظام مع الاحداث الحالية صحيح تماماً ولكن التقرير الذي يشير الى ان الاسد سيقاتل حتى النهاية صحيح أيضاً وتلميحه مؤخراً ولأكثر من مرة حول موضوع التقسيم هو إشارة لورقته الاخيرة التي لن يتردد في استخدامها ان ضعفت واستهلكت قوته أو ضيق عليه الخناق اكثر داخليا وخارجيا ليحاول تأسيس دولته الخاصة حيث معاقله وحصونه!
وهذا يقودنا الى ان المعركة مازالت طويلة ودموية حتى وان فقد الأسد السيطرة على العاصمة دمشق، فهو سيتبع اسلوب القذافي حتى آخر رمق.
-3-
مع توقع صمود حمص ومع تزايد الانشقاقات وتشكيل السرايا والكتائب والألوية ومع خروج مناطق عديدة من سيطرة النظام وازدياد مجازر ودموية هذا الاخير.. ومع عدم انتظام المعارضة والتشكيلات العسكرية في عقد واحد منتظم فان سورية سائرة لا محالة نحو النموذج الصومالي.. ولا اعتقد ان المجتمع الدولي يرغب في ذلك، لكنه ينتظر لحظة حاسمة يفرض بها حله، وهذا يضع الثوار والمعارضة أمام تحد كبير من شقين: توحيد المعارضة السياسية.. وتوحيد المعارضة العسكرية التي لا ينظمها حتى الان اي هيكلية تستثمر قوتها وحماسة أفرادها في عمل منظم تستطيع به ان تسقط النظام بتكلفة ووقت أقل وبنفس الوقت تفرض به شروطها ورؤيتها على مجتمع دولي ظالم.
-4-
ما يقال من فكرة شائعة حول ان الخائفين او الصامتين او المحايدين هم كذلك بسبب خوفهم من المستقبل أمر غير دقيق.. هم خائفون من الحاضر ومن النظام ومن قمعه وانتقامه، أعطهم شجاعة وقوة في قلوبهم وأعطهم أملا ان النظام ساقط لا محالة وانه منهزم وسيخرجون بالملايين المضافة ليساهموا مع الآخرين في اسقاط النظام، وهذا مافشلت قوى المعارضة والمجالس الحالية في اعطائه لهم لخطأ في الخطاب والعمل والاتجاه والانشغال بأمور شكلية لا تمت لواقع الثورة بصلة!
من جهة أخرى فالذين يعيبون على السوريين استنجادهم بالمجتمع الدولي ويعيرونهم برفضه مساندتهم مخطئون جداً.. فسورية بكونها جزء من منظمات دولية وعربية ومن مواثيق وعهود لشعبها الحق في طلب المساعدة ان تعرض لخطر .. واذا لم يستجب احد لذلك فلا يعاب الطالب بل المُطَالب.. لكن ضعف الطالب وتخاذل المطالب.
رغم كل ذلك.. فكر الثورة والتمرد على النظام ينتشر على نطاق عريض جدا بين جميع فئات الشعب فيما ينحسر المؤيدون مع الزمن ومع تزايد القمع الدموي للنظام، وما يميز الثورة السورية انها استوعبت جميع اشكال الاحتجاج والمحتجين لتضم التظاهر والعصيان المدني والاضرابات والاعتصامات والانشقاقات والتمرد العسكري وأشكال أخرى ابتدعها السوريون في مسيرتهم الوعرة لاسقاط هذا النظام.










